عطور شانيل بعين محاور المشاهير عدنان الكاتب

عطور شانيل بعين محاور المشاهير عدنان الكاتب

محاور المشاهير عدنان الكاتب ، مدير تحرير مجلة هي ، كتب مقالا  مطولا عن عطور شانيل ، قال فيه حولّت مجموعةLes Exclusifs de chanel  الأساسيّات إلى تعابير عطريّة فريدة. وهذه سمة شخصية تميزها عن كافّة العطور الأخرى، ولا تنتمي هذه المجموعة إلى أي عصر، بل تتبع إيقاع إبداعات شانيل CHANEL، وتبقى هذه المجموعة وفيّة للرسالة ذاتها، فتجد منطلقها في أوراق الشجر الخضراء في منزل غارش، ونسيج الجيرسي المتسامي، والمشرق الغامض للكورومانديل، وصولاً إلى عذوبة الأزهار في رمزيّة البيج. وكلّ من هذه الدروب العطريّة يحمل علامة أناقة غابرييل شانيل المثاليّة، التي تسمو فوق صيحات الموضة المتغيّرة، وتبقى خالدة.

 

شهد هذا الابتكار العطري الخامس العشر من المجموعة التعاون الأول مع أوليفييه بولدج الذي طور هذا العطر بمساعدة مختبر عطور شانيل، فأبصر النور العطر الحصريّ “ميسيا”، MISIA الذي حمل إسم الشخصيّة التي غيّرت بشكل جذري حياة مادموزيل عن طريق إدخالها في عالم الفنون. وليست ميسيا مجرّد شخصيّة أسطورية، بل هي أيضاً كلمة السرّ التي تأخذنا إلى ما وراء كواليس الباليه الروسيّة.

إسم وأسطورة وكلمة سرّ: لطالما وصفت غابرييل ميسيا قائلة: “تجتمع كلّ الأشياء في امرأة واحدة، وتجتمع كلّ النساء في ميسيا”. كانت ميسيا ملهمة عدد لا يحصى من الفنانين، وكالنمر، كانت محبوبة ومكروهة في آنٍ معاً. هذه المرأة التي تمتّعت بتأثير عميق بما حولها، رسمها كلّ من فويار، وبونار، وتولوز- لوتريك، ورينوار، ويمكن استشفاف ميسيا في شخصيّة “مدام فيردوران” في الرواية الشهيرة لمارسيل بروست “بحثا عن الزمن المفقود” In Search of Lost Time التي صوّرها كعرّابة للباليه الروسيّة.

ولم يشأ أوليفييه بولدج أن يقدّم سيرة ذاتية عطريّة لهذه الشخصيّة المميزة، بل ركّز بدلاً من ذلك على نقطة تحوّل في حياة غابرييل شانيل بعد أن التقت تلك الشابّة البولنديّة.

وبفضل ميسيا، تعرّفت الآنسة شانيل على أبرز وأهمّ فناني أوائل القرن الـ20، على غرار إيغور سترافينسكي، وكوكتو، وسيم، وبيكاسو.. وقد لعب كلّ منهم دوراً فعليّاً في حياة غابرييل. كما أن ميسيا، مرّة أخرى، هي التي فتحت أبواب المشرق لها في البندقية، حيث كانت تجتمع كل الأوساط الفنية والإجتماعية في كل عام. ومع ميسيا، تصبح رؤيا الآنسة شانيل دقيقة وحادة كحدّ السكين.

ميسيا MISIA: في أواخر الأعوام 1900، أصبحت ميسيا الشخصيّة الخفيّة وراء ترسيخ الباليه الروسيّة الشهيرة، فهي التي قدّمت دعماً ماليًا كبيرًا لسيرج ديغيلف، مؤسس الباليه، وعرّفته بالعديد من الشخصيات المرموقة. وفي المقابل، باتت غابرييل شانيل الراعي السريّ لهذه الفعاليّات التي لم يسبق لها مثيل. وكان لهذه العروض، منذ إطلاقها لأوّل مرّة في قصر غارنييه، وَقْع ثورةٍ فنية. فمع خلفيّة مذهلة من تصاميم بيكاسّو، وبراك، أو ديلوناي، احتفل الراقصون بموسيقى رائعة من ألحان سترافينسكي أو بروكوفييف، متتبّعين الخطوات التي صممها مصمم الرقص المتمرّس نيجينسكاي. وملأت هذه التوليفة، التي جمعت ما بين أبرز المواهب، باريس ذهولاً ودهشة، وألهمت أهمّ كتاب ورسّامي تلك الحقبة. فمن هذا المسرح، وهذا الإطار، يستشفّ أوليفييه بولدج الطابع الذي سيمنحه لعطره، فيعيد إحياء تلك اللحظات العالقة في الزمن، وينعش القلوب النابضة للراقصين وجمهورهم.

خصائص البودرة: تخيّلوا الأجواء المثيرة التي تميّزت بها “أوبرا غارنييه” في السنوات التي اعتلت فيها الباليه الروسيّة خشبة المسرح، اسمعوا نقر قلادات اللؤلؤ والحلي التي زيّنت الشعر، تمتزج برائحة أحمر الشفاه الغامق، وصوت ضبط الموسيقيين لآلاتهم، بينما تستعد الراقصات – من وراء الستارة المخملية الحمراء – فيضعن الماكياج من الرأس حتّى أخمص القدمين.

 ولو قُدّر لهذه الأمسيات الأسطورية أن تتركّز في عطر واحد، فإن البنفسج هو أكثر العطور تجسيداً لها. وترفض هذه الزهرة الرقيقة، ذات نفحات البودرة، الإفصاح عن أسرارها خلال مرحلة الاستخراج، إلا أنها تستذكر رائحة بودرة الزمن الغابر وماكياج كل العصور. ولكي تتلخّص زهور البنفسج في عطر ما، عليها أن تقدّم أثمن خصائصها وأعلاها جودة. ولا شكّ أن المواد الاصطناعية ربما تقلّد هذه الزهور نادرة، إلا أنها تحتاج إلى إطار استثنائي لتكشف عن ذاتها بالكامل. ومن هذا المنطلق، عمد أوليفييه بولدج إلى إلباسها نفحات من ورود غراس، وهي الورود التي تتفتّح فقط في شهر مايو والتي تحجز محاصيلها لصالح بعض العطور الأسطورية لدى شانيل CHANEL. ثمّ أضاف الوردة التركيّة العذبة والخلابة، وزهرة السوسن التي تعدّ من فصائل البنفسج، مع نفحة من الرفاهية. وكمثل الإحساس العذب برفاهية الفرو والمخمل، ينسدل عطر ميسيا على البشرة ليطيل البقاء، مع العطر المغلّف الذي لفول التونكا والجاوي من لاوس.

وفي نفحة واحدة كالنسيم، يهبّ عبق الأنوثة وكل عناصر الباليه الساحرة التي غابت في الحقبة الغابرة، لتظهر من جديد في زوبعة عطريّة لا تقاوم. وها هي ميسيا تلوح ثانية، وإن للحظة من الزمن.

من التاريخ: كانت شانيل مغرمة برجل أعمال انجليزيّ يدعى “آرثر كابيل”، الملقّب بـ” بوي”. ولكن، عندما توفي “بوي” في حادث سيارة في ديسمبر من العام 1919، تقوقعت شانيل بقبلها المفطور بعيداً عن العالم، فاصطحبتها ميسيا وزوجها “خوسيه ماريا سرت” في رحلة إلى البندقية لمساعدتها في التغلب على حزنها. تعرّفت شانيل على المتاحف ومتاجر القطع الأثريّة، وكلّها تتوهّج ببريق الذهب، فشحذت ذوقها الفنّي واكتسبت خبرة قيّمة من هذا العالم الجديد الذي فتح أبوابه على مصراعيه أمامها. وقد أبهرتها القطع الأثريّة، البيزنطية أو الباروكيّة، والتي استوحت منها لاحقاً في تصاميمها لقطع مجوهرات راقية عصريّة. ففي البندقية، انتشلت ميسيا شانيل من عزلتها، فساهمت في بناء مستقبلها. وفي البندقية أيضاً قدّمت ميسيا شانيل إلى المجتمع الراقي العالمي، فعرّفتها بسيرج ديغيلف، مدير فرقة الباليه الروسيّة وروحها النابضة، الذي مثّل ثورة في الرقص في ذلك الوقت، ورسّخ الحداثة الموسيقية، والتصويرية والأدبية في فرقته. كانت ميسيا MISIA ملهمته، ووكيلة أعماله وصديقته. وهكذا دخلت شانيل دائرة الفن الحديث. وسرعان ما تعرفت إلى بابلو بيكاسو، وجان كوكتو، وإيغور سترافينسكي، وإريك ساتي والعديد غيرهم، حتّى أنها أخذت عن ميسيا القليل من أدوارها حين تولّت تمويل بضع مغامرات فنية لـ”ديغيلف”. وفي العام 1924، اشتركت معه في العمل الفنيّ “لو تران بلو” من خلال تصميم الأزياء الخاصّة به. وفي العام 1929، وارت ميسيا وشانيل ديغيلف الثرى في مدينة البندقية بعد وفاته في الـ19 من أغسطس. ويصادف أيضاً تاريخ التاسع عشر من أغسطس يوم ميلاد شانيل التي اعتبرت هذه المصادفة تأكيداً لمصير الصداقات التي كانت تؤمن بها بشدّة.

 في العام 1920، بعد الرحلة إلى البندقية، أصبحت المرأتين أقرب من أي وقت مضى، إذ تقاسمتا كل شيء: الوقت، والأنشطة، والذوق، ومنحت شانيل ميسيا MISIA وظيفة في دار الأزياء الخاص بها. وكانت هذه طريقة خفيّة لإعطائها المال والاعتراف في الوقت عينه بقيمة ذوقها الفنيّ، وشكرها على تعريفها بالمجتمع الراقي ودعمها غير المشروط.

في أحد الأيام خطرت ببال ميسيا فكرة مسلية فألمحت إلى شانيل أنها ينبغي أن تطلق عطراً خاصّاً بها يكون “ماء عطر شانيل.” وأما شانيل، فحوّلت هذا التلميح الصغير إلى واقع “عملاق”. وتطوّرت الفكرة في ذهنها. وفي يوليو 1919، أي قبل عامين من ابتكار العطر  N°5، عمدت ميسيا إلى تسجيل العلامة التجارية EAU CHANEL  باسم شانيل، نزولاً عند رغبة صديقتها.

ومن الطبيعي أن تمنح ميسيا نفسها، في مذكّراتها، الفضل كاملاً في ابتكار العطر، ولكن بعض الإثباتات التاريخيّة تؤكّد بالفعل أن لـ”ميسيا” دوراً مهمّاً في قصة عطرN°5 .

 

كلمات مفتاحية

شانيل عدنان الكاتب عطور

تعليقات (0)

    لم يتم إضافة تعليقات لهذا المقال.

مقالات ذات صلة